في خطوة نوعية نحو مدن أكثر ذكاءً واستدامة، قدّم فريق بحثي نموذجًا مبتكرًا لنظام ذكي لإدارة النفايات في مدينة مكة المكرمة، يستند إلى تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) والذكاء الاصطناعي (AI)، بهدف رفع كفاءة إدارة النفايات، خصوصًا خلال موسم الحج الذي يشهد ملايين الزوار وتحديات لوجستية وبيئية معقدة.
يحمل النظام اسم “TUHR” — وهي اختصار لعبارة “Technology for Urban Hygiene and Recycling” — ويُعتبر من النماذج البحثية الواعدة التي تم نشرها مؤخرًا على منصة arXiv العلمية، حيث استعرض الباحثون آلية عمله وأثره البيئي والاجتماعي في واحدة من أكثر المدن ازدحامًا في العالم الإسلامي.
نظام ذكي يستشعر البيئة ويتفاعل معها
يعتمد النظام على مجموعة من الحساسات فوق الصوتية المثبّتة داخل حاويات النفايات في مواقع استراتيجية داخل المدينة والمشاعر المقدسة. تقوم هذه الحساسات بقياس مستوى امتلاء الحاويات بشكل مستمر، وترسل بيانات فورية إلى مركز المراقبة البلدي عند اقترابها من الحد الأقصى للسعة.
كما يحتوي النظام على مجسات استشعار للغازات الضارة مثل الميثان وأول أكسيد الكربون، ما يتيح تنبيه الفرق الميدانية فورًا للتعامل مع أي خطر بيئي محتمل.
وبحسب الدراسة، فإن النظام الذكي لا يقتصر على المراقبة فقط، بل يستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الميدانية والتنبؤ بأوقات الذروة ومواقع تراكم النفايات، ما يساعد على تخطيط أفضل لمسارات جمع القمامة وتوزيع فرق النظافة بطريقة أكثر كفاءة.
تحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات
تشير نتائج النماذج الأولية إلى أن تطبيق نظام TUHR يمكن أن يؤدي إلى خفض استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 30% عبر تقليل عدد الرحلات غير الضرورية لشاحنات الجمع، فضلًا عن تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء في المناطق المزدحمة بالحجاج.
كما يتيح النظام تتبع أداء كل منطقة في الوقت الحقيقي، مما يُسهِم في اتخاذ قرارات سريعة حول إعادة توزيع الموارد أو تعزيز فرق العمل في المناطق الأكثر احتياجًا.
التكنولوجيا في خدمة الحج والبيئة
يُعد المشروع نموذجًا لما يمكن أن تحققه التحوّلات الرقمية في المدن المقدسة، إذ يجمع بين الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والاستدامة البيئية في منظومة واحدة تُحسّن جودة الحياة وتخفف الضغط على الجهات البلدية خلال فترات الذروة.
ويؤكد الباحثون أن الهدف من النظام ليس فقط إدارة النفايات، بل تحويلها إلى مصدر معرفة يدعم التخطيط المستقبلي، من خلال تحليل الأنماط السلوكية في توليد النفايات، ومساعدة السلطات في تطوير برامج توعية موجهة للحجاج والسكان حول فرز المخلفات وإعادة التدوير.
نحو مدن ذكية ومستدامة
يمثل نظام TUHR خطوة متقدمة ضمن رؤية المملكة العربية السعودية لتحقيق مدن ذكية ومستدامة، تدمج التكنولوجيا في الخدمات العامة اليومية، وتوازن بين الكفاءة التشغيلية والحفاظ على البيئة.
كما يتماشى المشروع مع أهداف رؤية السعودية 2030 التي تؤكد على تعزيز الاستدامة البيئية واستخدام التقنيات الحديثة لرفع جودة الحياة في المدن الكبرى.
