في إنجاز علمي غير مسبوق، أعلن فريق دولي من العلماء ضمن مشروع “توثيق الحياة في أعماق البحار” عن اكتشاف 866 نوعًا بحريًا جديدًا في مختلف محيطات العالم، في خطوة تُعدّ من أكبر عمليات التوثيق البيولوجي في التاريخ الحديث. ويأتي هذا الاكتشاف ضمن الجهود العالمية لفهم التنوع الأحيائي البحري ودوره الحيوي في التوازن البيئي والمناخي على كوكب الأرض.
مشروع علمي عالمي بتمويل مشترك
أُنجز المشروع بالتعاون بين أكثر من 120 مؤسسة علمية من 40 دولة، بإشراف Earth Island Institute وعدد من المراكز البحثية المتخصصة في علوم المحيطات.
وتمت عمليات المسح باستخدام روبوتات غاطسة مزودة بكاميرات عالية الدقة وأجهزة استشعار كيميائية، إلى جانب تقنيات التصوير الحيوي ثلاثي الأبعاد التي سمحت للعلماء بتحديد الأنواع بدقة غير مسبوقة.
وقالت الدكتورة ماريا لويزا فارياس، الباحثة المشاركة في المشروع: “هذا الاكتشاف يثبت أن المحيطات لا تزال تخبّئ كنوزًا علمية هائلة، وأننا لم نكتشف بعد سوى جزء صغير من عالم الحياة تحت سطح البحر.”
تنوع مذهل في الكائنات المكتشفة
شملت الأنواع الجديدة كائنات دقيقة، وأسماك أعماق، وقشريات شفافة، وأنواعًا من المرجان البارد، إضافة إلى مخلوقات غريبة الشكل لم تُشاهد من قبل، بعضها يعيش على أعماق تتجاوز 6000 متر تحت سطح البحر.
ومن أبرز الاكتشافات سمكة صغيرة ذات زعانف مضيئة تم رصدها في المحيط الهادئ، ونوع من القشريات “يتنفس” من خلال جلده في أعماق خالية تقريبًا من الأكسجين.
ويقول الباحثون إن هذا التنوع الجديد يُعيد رسم خريطة السلسلة الغذائية البحرية ويفتح المجال أمام دراسات متقدمة لفهم التكيف البيولوجي في البيئات القاسية.
دور حيوي في حماية الكوكب
تُعتبر المحيطات أحد أهم عناصر التوازن البيئي على الأرض، إذ تمتصّ نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النشاط البشري وتولّد أكثر من 50% من الأوكسجين الذي نتنفسه.
ويرى العلماء أن هذه الأنواع الجديدة يمكن أن تساهم في فهم أعمق لدور الكائنات البحرية الدقيقة في امتصاص الكربون، وبالتالي في صياغة سياسات جديدة لمواجهة تغيّر المناخ.
وذكرت Earth Island Institute في بيانها: “كل نوع جديد هو دليل على مدى تعقيد وجمال النظام البيئي البحري، وعلى ضرورة تسريع الجهود الدولية لحمايته من التلوث والصيد الجائر والاحتباس الحراري.”
ابتكارات بحثية وتقنيات صديقة للبيئة
تمت الاستكشافات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الحيوية وتحديد الأنواع في الوقت الفعلي، ما اختصر سنوات من العمل المخبري إلى بضعة أشهر فقط.
كما تم تصميم غواصات صغيرة ذات استهلاك طاقة منخفض لتقليل البصمة الكربونية للبعثات العلمية، في مثال على الاستدامة في البحث العلمي.
وتسعى الفرق العلمية حاليًا إلى نشر قاعدة بيانات مفتوحة تشمل صورًا ثلاثية الأبعاد ووصفًا تفصيليًا لكل نوع مكتشف، لتسهيل الاستفادة من هذه النتائج في الدراسات المستقبلية والمناهج التعليمية.
رسالة أمل في زمن الأزمات البيئية
في وقتٍ تتزايد فيه التحذيرات من التدهور البيئي وتراجع الأنواع، يُعتبر هذا المشروع خبرًا إيجابيًا عالميًا يذكّر بقدرة العلم على إعادة اكتشاف جمال الكوكب وحمايته.
فبدلاً من التركيز فقط على التهديدات، يعرض هذا الإنجاز نموذجًا لما يمكن أن يحققه التعاون العلمي الدولي عندما يُكرّس لخدمة الطبيعة والإنسان معًا.
“كل كائن جديد نكتشفه هو تذكير بأن الأمل لا يزال ممكنًا — فالمحيط، برغم التحديات، ما زال ينبض بالحياة.”
